ابن كثير
102
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة كما كانوا في الجاهلية يقولون : إذا حل أجل الدين ، إما أن تقضي وإما أن تربي ، فإن قضاه ، وإلا زاده في المدة ، وزاده الآخر في القدر ، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا ، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى ، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها ، فقال تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات ، فقال تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أي كما أعدت النار للكافرين ، وقد قيل إن معنى قوله عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ تنبيها على اتساع طولها ، كما قال في صفة فرش الجنة بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [ الرحمن : 54 ] أي فما ظنك بالظهائر ؟ ، وقيل : بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت العرش ، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله ، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح « إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وسقفها عرش الرحمن » وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 21 ] . وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار ؟ » . وقد رواه ابن جرير « 1 » فقال : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني مسلم بن خالد عن أبي خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد ، عن يعلى بن مرة ، قال : لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحمص شيخا كبيرا قد فسد « 2 » ، فقال : قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قال : قلت : من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا : معاوية ، فإذا كتاب صاحبي : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين ، فأين النار ؟ قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « سبحان اللّه ، فأين الليل إذا جاء النهار ؟ » . وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب : إن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟ فقال لهم عمر : أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل ؟ وإذا جاء الليل أين النهار ؟ فقالوا : لقد نزعت مثلها من التوراة ، رواه ابن جرير « 3 » من ثلاثة طرق ، ثم قال : حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا جعفر بن برقان ، أنبأنا يزيد بن الأصم : أن رجلا من أهل الكتاب قال : يقولون
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 436 . ( 2 ) كذا . وفي الطبري « فنّد » بضم الفاء وتشديد النون المكسورة مبنيا للمجهول ، بمعنى قد نسب إلى الفند ( بفتحتين ) وهو العجز والخرف . ( 3 ) تفسير الطبري 3 / 436 - 437 .